الجصاص
58
أحكام القرآن
الفاتحة ، فلو كانت القراءة فرضا لكان من سننها قراءة السورة مع فاتحة الكتاب ، لأن سائر الصلوات التي القراءة فيها مفروضة فإن من سننها قراءة السورة . ويدل عليه أيضا اتفاق الجميع على أن المأموم لا يجهر بها في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، ولو كانت فرضا لجهر بها كالإمام ، وفي ذلك دليل على أنها ليست بفرض إذ كانت صلاة جماعة من الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة ، وكان ينبغي أن لا يختلف حكم الإمام والمأموم في الجهر والإخفاء لو كانت فرضا عليه كهي على الإمام . قوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ) . قال أبو بكر : الذكر على وجهين ، أحدهما : الفكر في عظمة الله وجلاله ودلائل قدرته وآياته ، وهذا أفضل الأذكار إذ به يستحق الثواب على سائر الأذكار سواه ، وبه يتوصل إليه . والذكر الآخر : القول ، وقد يكون ذلك الذكر دعاء وقد يكون ثناء على الله تعالى ويكون قراءة للقرآن ويكون دعاء للناس إلى الله ، وجائز أن يكون المراد الذكرين جميعا من الفكر والقول فيكون قوله تعالى : ( واذكر ربك في نفسك ) هو الفكر في دلائل الله وآياته . وقوله تعالى : ( ودون الجهر من القول ) فيه نص على الذكر باللسان ، وهذا الذكر يجوز أن يريد به قراءة القرآن وجائز أن يريد الدعاء ، فيكون الأفضل في الدعاء الإخفاء ، على نحو قوله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) وإن أراد به قراءة القرآن كان في معنى قوله : ( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا ) [ الإسراء : 110 ] . وقيل : إنما كان إخفاء الدعاء أفضل لأنه أبعد من الرياء وأقرب من الإخلاص وأجدر بالاستجابة ، إذ كانت هذه صفته . وقيل : إن ذلك خطاب للمستمع للقرآن لأنه معطوف على قوله : ( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) وقيل : إنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، والمعنى عام لسائر المكلفين كقوله عز وعلا : ( يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ) [ الطلاق : 1 ] . وقال قتادة : " الآصال العشيات " . آخر سورة الأعراف